ابن قيم الجوزية
31
الروح
وهذا دليل أنه يقضى في الأموال باللوث « 1 » وإذا كان الدم يباح باللوث في القسامة فلأن يقضي باللوث وهو القرائن الظاهرة في الأموال أولى وأخرى . وعلى هذا عمل ولاة العدل في استخراج السرقات من السراق حتى أن كثيرا ممن ينكر ذلك عليهم يستعين بهذا إذا سرق ماله . وقد حكى اللّه سبحانه عن الشاهد الذي شهد بين يوسف الصديق وامرأة العزيز أنه حكم بالقرينة على صدق يوسف وكذب المرأة ولم ينكر اللّه سبحانه عليه ذلك بل حكاه عنه تقريرا له « 2 » . وأخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن نبي اللّه سليمان بن داود أنه حكم بين المرأتين اللتين تداعتا الولد للصغرى بالقرينة التي ظهرت له لما قال : ائتوني بالسكين أشق ، الولد بينكما فقالت الكبرى نعم رضيت بذلك للتسلي بفقد ابن صاحبتها وقالت الأخرى : لا تفعل هو ابنها فقضى به لها للشفقة والرحمة التي قامت بقلبها حتى سمحت به للأخرى ويبقى حيا وتنظر إليه « 3 » . وهذا من أحسن الأحكام وأعدلها وشريعة الإسلام تقرر مثل هذا وتشهد
--> ( 1 ) اللوث بالفتح : البنية الضعيفة غير الكاملة . ( 2 ) وهو قوله تعالى في سورة يوسف ، الآية 26 : وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ ، وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ . ( 3 ) ذكر ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية في السياسة الشرعية أنه استدل برضا الكبرى بذلك ، وأنها قصدت الاسترواح إلى التأسي بمساواة الصغرى في فقد ولدها وشفقة الرضى عليه ، وامتناعه عن الرضا بذلك دل على أنها أمه ، وأن الحامل لها على امتناع من الدعوى ، ما قام بقلبها من الرحمة والشفقة التي وضعها اللّه في قلب الأم ، فاتضحت وقويت هذه القرينة عنده ، حتى قدمها على إقرارها ، فإنه حكم به لها مع قولها : هو ابنها ، وهذا هو الحق . قال النووي : قال العلماء : يحتمل أن داود عليه السلام قضى به للكبرى لشبه رآه فيها ، أو أنه كان في شريعته ترجيح الكبرى أو لكونه كان في يدها ، فكان ذلك مرجحا في شرعه ، وأما سليمان عليه السلام فتوصل بطريق من الحيلة والملاطفة إلى معرفة باطنة القضية ، فأوهمها أنه يريد قطعه ليعرف من يشق عليها قطعه فتكون هي أمه ، فلما أرادت الكبرى قطعه عرف أنها ليست أمه ، فلما قالت الصغرى ما قالت عرف أنها أمه ، ولم يكن مراده أنه يقطعه حقيقة ، وإنما أراد اختبار شفقتها ليتميز له الأم ، فلما تميزت بما ذكر عرفها ، ولعله استقر الكبرى فأقرت بعد ذلك للصغرى فحكم بالإقرار بمجرد الشفقة المذكورة .